صبحي الصالح

57

مباحث في علوم القرآن

جازمة بمثل قوله تعالى : « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا » « 1 » ، وإنما أرادت الصدّيقة بيان وائل ما نزل من القرآن ، وأن تلك الأوائل ما كانت بمقتضى حكمة اللّه لتتناول الحلال والحرام ، بل تناولت أصول الإيمان باللّه واليوم الآخر . فعدم تحريم الزنى في أول ما نزل من الوحي لا يعني أن هذا التحريم تأخّر كثيرا : إذ وقع تحريمه في مكة على كل حال ، وهو لا يعني تدرج هذا التحريم على مراحل ، إذ لم نعلم في كتاب اللّه ولا سنة رسوله إثبات منفعة للزنى إلى جانب إثمه الكبير كما علمناه في تحريم الخمر والميسر ، ولم نر لونا من ألوان الزنى والسفاح يقر في الاسلام بأية صورة ، وإنما الذي عرفناه أن الإسلام أمضى أمره بتحريم الزنى بأسلوب صارم ولهجة قاطعة ، كما حرم سائر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والاثم والبغي بغير الحق . وما من ريب في أن الإسلام فرق بين الأعماق والسطحيات في أنفس الأفراد والمجتمعات ، فكل قضية عميقة الجذور في نفس الفرد اتخذت شكل عادة شعورية وكل قضية عميقة الجذور في نفس المجتمع اتخذت شكل تقليد اجتماعي أو عرف دولي ، فللإسلام فيها موقف المتمهل المتريّث الذي يؤمن بأن البطء مع التنظيم خير من العجلة مع الفوضى ! وكل قضية سطحية تنزلق إلى نفس الفرد أو إلى نفس الجماعة فتفسد عليها فطرتها الزكية النقية ، فهي جريمة في الحياة الإنسانية لا يجوز السكوت عنها ، فليقطع الإسلام فيها برأيه ، ولتكن حدوده فيها غير قابلة للنقاش ، فما يناقش في أمر هذه الحدود إلا الخارج على مقتضى الفطرة ، المنسلخ من الكرامة الإنسانيّة « 2 » . وفي ضوء هذه التفرقة بين الأعماق والسطحيات في الأنفس والآفاق ، وفي الأفراد والمجتمعات ، نظر الإسلام إلى القتل والسرقة والغصب وأكل

--> ( 1 ) الاسراء 32 . ( 2 ) قارن بظلال القرآن 2 / 60 - 61 .